منتدى صوت الطالب الزيتوني

منتدى عام لطلبة جامعة الزيتونة


    المشـاريـع الغربيّـة في شمـال إفريقـيــا

    شاطر

    admin
    كبير المشرفين
    كبير المشرفين

    ذكر عدد المساهمات : 1768
    نقاط : 1953
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ الميلاد : 30/06/1989
    تاريخ التسجيل : 07/02/2012
    العمر : 29
    الموقع : المنتديات التونسية
    العمل/الترفيه : طالب علم
    المزاج : جيد جدا

    المشـاريـع الغربيّـة في شمـال إفريقـيــا

    مُساهمة من طرف admin في السبت مارس 24, 2012 1:51 pm

    إنّ الوجود الفرنسي في شمال إفريقيا لم يكن وجودا طبيعيّا بل كان صفقة غربيّة بإمتيـاز. فمن المعروف أنّ الغرب بعدما قضى على الخلافة العثمانيّة تهالك على كلّ المناطق التي كانت تابعة للنفوذ العثماني وعقدت صفقات على تقاسم مناطق النفوذ مثل إتفاقيّة سايكس-بيكو. وقد دفعت فرنسا الثمن لإنجلترا لضمان وجودها في بعض المناطق والحصول على حريّة التحرّك فيها وفرض حمايتها على المغرب حيث أنّها مثلا تنازلت عن التغلغل في السودان المصري-قضيّة فوشادا- وتخلّت عن تأثيرها في مصر وخاصّة في جهة السويس ورضيت بإقفال مكاتبها البريديّة في الإسكندريّة. ورغم ذلك كلّه فإنّ أنجلترا بقت تناهض الوجود الفرنسي في شمال إفريقيا وهذه السلوكات ليست غريبة على دول إستعماريّة همّها فقط سلب الخيرات وتحقيق تبعيّة الشعوب لها. هذه الأمور تدلّ على أنّ الأحداث لا تعدو أن تكون صراعات وتقاسم مصالح ونفوذ وتفاهمات وحتّى إن تفاهموا أو تصالحوا نبقى نحن ضحيّة كراهيّتهم لنا وضحيّة أطماعهم ففرنسا دفعت لإنجلترا ثمن إستعمارها لنا. والإستعمار أو الإحتلال ندفع نحن ثمنه أيضا ولكن بدماء أبنائنا وبنهب خيراتنا وبعدم إستقلال قرارنا وبفقداننا لسيادتنا وكرامتنا ولحقوقنا وبتضييعنا لقضايانا. ونظلّ ندفع الثمن وراء الثمن ونقدّم التنازل وراء التنازل فها نحن نتنازل عن ديننا وأصلنا وفصلنا وعن هويّتنا ومقدّساتنا وتنازلنا حتّى عن شكلنا الخارجي لنكون مثلهم ولم يحبّونا. فكّرنا مثلهم فقمعونا وأتبعناهم في كلّ شيء فاحتقرونا وانحنينا لهم فداسونا وائتمرنا بأوامرهم فعاملونا معاملة الكلاب. ودفعنا أكثر من ذلك بكثير بتدخلاتهم المستمرّة في كلّ شؤوننا.
    إنّ التواجد الفرنسي في شمال إفريقيا كان سببا في وقوع الكثير من الحوادث وقيام الكثير من الحركات وعلى رأسها الحركات الوطنيّة في كلّ من تونس والجزائر والمغرب. وقبل الخوض في التفاصيل، يمكن أن نضع تساؤل:
    ما الذي أغرى القوى الغربيّة وبخاصّة فرنسا و أنجلترا وأمريكا حتّى تأتي إلى بلادنا وتحاول إقامة أنظمة إحتلال أو تحقّق تبعيّة الأنظمة لها؟
    ببساطة، إنّ الشمال الإفريقي يحتلّ موقعا إستراتيجيّا فريدا من نوعه، ذلك أنّ أرضه وما تحت أرضه كريمة بصفة غير عاديّة. ومن بعض ميزات المنطقة التي جعلت منها موقع صراع بين القوى الغربيّة، منذ ذلك الوقت وحتّى الساعة :
    أوّلا، هناك مسألة البترول وباقي المواد الخامّ في الشمال الإفريقي وخاصّة حرب البترول التي كانت تستعر في الجزائر.
    ثانيا، السيطرة وضمان حريّة الطريق الإستراتيجي الحيوي الدّار البيضاء-القاهرة وطهران-القوقاز، هذا الطريق الإستراتيجي الوحيد المتاح للوصول إلى الحدود السوفياتيّة التي فرضته الحتميّات الإقتصاديّة. وطبعا بريطانيا كانت المناهضة الأولى للتواجد الفرنسي في المنطقة ليس لمصلحة الشعوب وتحقيق إستقلالها بل لاستبدال احتلال بآخر وللسيطرة الكاملة على الطريق المذكور سالفا. هناك حقيقة جيو-سياسيّة هامّة لا بدّ من ذكرها، هي أنّ شركة "أورافريك" كانت ذا ثقل موازي للشركة الروسيّة "أوراسيا" وبدون شمال إفريقيا لا يمكن لأوروبا الغربيّة إلاّ أن تسقط مثل ثمرة ناضجة في فلك روسيا وهذا ما أثبتته الحرب العالميّة.
    ثالثا، أنّ السواحل الشمال الإفريقيّة تحيط بالجزء الغربي من طريق الشرق الأقصى الذي يمرّ عبر السويس.
    رابعا، إفريقيا متماسكة وحسنة التموقع بمحاذاة أوروبا وتحتلّ موقعا متميّزا في عالم يزداد ضيقا ويُحاول أن تكون له بحبوحتها تحت اليد.
    خامسا، الحروب الحديثة أثبتت أنّ بنزرت هي مفتاح البحر الأبيض المتوسّط في موقع مراقبة أقلّ قبول للطعن من مالطا.
    سادسا، أنّ تونس نقطة إنطلاق إستراتيجيّة للطائرات الحربيّة الأمريكيّة نحو أوروبا الشرقيّة.
    سابعا، في مؤتمر الدار البيضاء كان روزفيلت قد تعهّد لسلطان المغرب بتعاون مستقبلي أمريكي-مغربي، ومع أنّ الأمريكان كانت لهم نقاط إصابة في داكار وفي ليبيريا ومع ذلك كان المغرب يهمّهم الأكثر، فهم يعرفون أنّ المغرب يمكن أن يوفّر لهم في مدّة وجيزة كميّة من الوقود تضمن استقلالا كاملا للقيام بالعمليّات العسكريّة وهذا يجنّبهم عمليّات نقل البنزين بحرا تحت رقابة الغوّاصات الأجنبيّة.
    ثامنا، التواجد الأمريكي على الضفّة الشماليّة شرق مدينة طنجة قبالة جبل طارق يمكّن من شلّ الخفّارة الأنجليزيّة الحارسة للمضيق الذي يوصل البحر المتوسط بالمحيط الأطلنطي ولأجل تأكيد هذه الإستراتيجيّة لابدّ أن يكون المغرب"حرّا" ويجب أن تختفي حدود المناطق الفرنسيّة والإسبانيّة وأن تعود منطقة طنجة الدوليّة تحت النفوذ الشريفي.
    وقبل أن نحلّل القوى المتصارعة ومناطق الصراع، لابدّ أوّلا من كشف زيف الشعارات المرفوعة لأجل تبرير الصراعات والحروب والانقلابات.
    إنّ القوى الغربيّة حتى تتدخّل في الصراعات وتتورّط في الحروب تحتاج إلى تهيئة الرأي العام الداخلي والدّولي لقبول تلك الصراعات أو التدخلات وحتّى الحروب. لذلك تحتاج القوى الغربيّة لماكينة إعلاميّة ولدعاية ضخمة تبرّر به ما تقوم به على أرض الواقع. فالمبرّرات التي قدّمتها الآلة الإعلاميّة الغربيّة لتبرير الإحتلال مثلا هي تخلّف الشعوب وهمجيّته وأنّ هدف الإحتلال إنساني فقط وهي جعل الشعوب المستعمَرَة متحضّرة. وهذا قد ثبت تاريخيّا فمثلا شعارات "حقوق الإنسان" و "حقّ الشعوب في تقرير مصيرها" و "محاربة الإرهاب والأصوليّة" و مثل "أسلحة الدّمار الشّامل " والتعلّل بإسناد "أنظمة ديموقراطيّة" و "الدّفاع عن الحريّات العامّة والخاصّة" هذه كلّها وغيرها شعارات جوفاء تخالف الواقع وتستعمل فقط كسلاح إعلامي لإيجاد التبريرات. وما حصل ويحصل في الواقع مخالف تماما لكلّ هذه الشعارات وهدف الصراعات والتدخلات والحروب لا يتعدّى أن يكون خدمة مصالح وصراع على مواقع منجميّة للمواد الأوليّة وآبار بترول ومواقع استراتيجيّة. فمثلا لورنس كان يطلق الدروز ضدّ الوجود الفرنسي في سوريا ممّا جعل غورو يبعث ببرقيّة إلى باريس نصّها "انتفاضة وعصيان تدعمه انجلترا، إبعثوا بالإمدادات" وكان الجنرال الأنجليزي سبيرز يعطي دعم جيشه للقوميّين السوريّين لأجل طرد فرنسا من سوريا.
    إنّ الدول العظمى إذا أرادت أن تقوم بحرب تحتاج إلى دعاية تخلق أعداء ولو كانوا غير متواجدين فمثلا شعار إستُعمِل من طرف أمريكا وانجلترا وهو "محاربة الفاشيّة". لو رجعنا إلى الظروف التي ألجأت لاستعمال كلمة "فاشيّة" لرأينا أنّ القضيّة ليست إيديولوجيّة بل هي فقط قضيّة صراع مصالح، كان البترول الألباني وهو قليل الأهميّة من وجهة نظر التوزيع العالمي للبترول يمكن أن يكون كافيا إذا دفع إلى حدّه الأقصى في الإنتاج لتزويد الجيش الإيطالي بأكمله -أي 2 مليون طن سنويّا- في انتظار تصعيد الاكتشافات ويمكن إذن الانصراف إلى تجارة تصديريّة وكانت ايطاليا تنوي القيام بعمليّات تنقيب في ايطاليا نفسها وهذا ما لم يعجب شركات البترول الامريكيّة والانجليزيّة فايطاليا وألبانيا ليستا في بلدان بعيدة وتستطيع بذلك إيطاليا التأثير مباشرة في ثمن البترول في السوق العالميّة وهذا يعني خسائر كبيرة للشركات الأمريكيّة والأنجليزيّة. لذلك إستعملت مع ايطاليا الطريقة القديمة التي استعملت مع الاتحاد السوفياتي -صحافة "مؤثّرة"- في مختلف بلدان العالم بدأت في مهاجمة الفاشيّة تقدّم بذلك فريسة سهلة من وجهة نظر إيديولوجية.
    إنّ فرنسا لم تحتل الشمال الإفريقي شفقة وصدقة على شعوبها وكذلك حال أيّة قوّة احتلال مثل امريكا و انجلترا واسبانيا وايطاليا والاتحاد السوفياتي وغيرهم. فالاحتلال مهما جمّلوا صورته فإنّه لا يعدو أن يكون قتل ونهب وسلب وتحكّم سياسي واقتصادي وبسط نفوذ وسيطرة. ثمّ إذا كانت هناك مناطق حباها الله بمكانة استراتيجيّة وبأهميّة جيو-سياسيّة وبثروات طبيعيّة وبآفاق اقتصاديّة فإنّها سوف تكون دائما محطّ أنظار القوى العظمى ولن تنعم بأيّ استقلال حقيقي والأمر لا يعدو أن يكون إلاّ استبدال احتلال باحتلال وتبعيّة بأخرى فالعالم للأسف مقسّم إلى قطبين دول تَأْمُر وأخرى تَأْتَمِر، أي دول تملك حقيقة زمام أمرها وتكون سيّدة نفسها وقرارها وأخرى تابعة لا حول لها ولا قوّة.
    كتب موريس تبرداش -ومن كتبه "الدفاع عن الغرب" ديسمبر 1954- مقالا في صحيفة "السّاعة" الفرنسيّة بتاريخ 22 ماي 1955 نورد منه المقطع الآتي :"إنّ غاية أوساط الأعمال هي تتمثّل في تحويل المغرب وتونس إلى دول مستقلّة من نوع ليبيريا وغواتيمالا أو الفلبّين بحيث يتمكّن الرأس المال الأمريكي الكبير بسهولة من مراقبة كلّ السياسة بفضل الإفساد والرّشاوي وبفضل التوسّع الاستثمارات, ثمّ أنّ الانجليز الذين كانوا حلّوا محلّ الايطاليين في ليبيا سوف يشاركون عن طيب خاطر في سرقة ممتلكاتنا في افريقيا لأجل أن نعطيهم نصيبهم من الكعك ".
    كان الاستقلال واحد من أهمّ الشعارات التي رفعت ضدّ الاستعمار الفرنسي لشمال افريقيا وكان من وراءه كالعادة مخطّط تحت ستار شعار "الاستقلال"، يذكر بيار فونتان في كتابه "الملف السرّي شمال افريقيا" ص 54-55 :"إنّ هذا الإقصاء التصاعدي والمنهجي لفرنسا, سوف يتعقّد وينقلب عادة إلى بلبلة وإرتباك. فإذا كان الإستعمار شعارا سياسيّا موجّها للرأي العام فإنّ الإستقلال الحقيقي أمرا ثانويّا. ولكن، بعد إجبار فرنسا على التخلّي على أحسن قطعه، فإنّ لندن وواشنطن تجعل لها مواطئ قدم حتّى لا تستأثر لأيّ منهما بالكعكة على حساب الأخرى. وبما أنّ الأمريكان كانوا يَرْنُون إلى مواقع جديدة أفرو-آسيويّة فإنّ الإتحاد السوفياتي لا يمكن أن يكون لا مبالي لهذا الصعود الخفيّ نحو الجنوب السوفياتي. وباختصار فإنّ هذه الحرب التي لا تريد أن تسمّي نفسها لأنّها تستعمل جلد الآخرين ويمكن أن تتلخّص هكذا : غزو لمنافذ إقتصاديّة ولمنابع المواد الأوليّة -البترول بالخصوص- ، وهدف بريطانيا العظمى والولايات المتّحدة إحتلال الأماكن الاستراتيجيّة وهدف الولايات المتّحدة والإتحاد السوفياتيّ مسّ ودعم تعاظم الرّئيس الكولونيل ناصر-أي عبد الناصر- وقوميّته العربيّة التي لا تأتي إلاّ من بعد، لقد استطاع المصري عبد الناصر أن يستعمل بمهارة الأمريكان لإقصاء بريطانيا العظمى، ثمّ استعمل السوفيات لإقصاء الأمريكان".
    هذا التخطيط الانجليزي-الأمريكي لما بعد استقلال شمال افريقيا سوف لن يكون الوحيد بل حتّى ألمانيا دخلت على الخطّ بعقد العديد من المؤتمرات السريّة في ألمانيا والولايات المتّحدة وساهم فيها بحرارة الشخصيّات الأكثر بروز في السياسة والماليّة والصناعة تحت شعار "تقديم مساعدة اقتصاديّة لافريقيا" ويصف الكاتب د. كارل ريتر هذا : "إنّ هذه التحرّكات على الأقلّ واضحة للغاية لأنّ هذه الترتيبات الدّوليّة الواسعة لا يمكن أن تتفتّح إلاّ في شمال إفريقيا محرّر من الرقابات الاقتصاديّة والاداريّة لفرنسا".
    هذا كلّه يدلّ صراحة على وجود مخطّطات لدول شمال افريقيا بعد حصولها على "استقلالاتها" التي لا يمكن إلاّ أن تكون شكليّة. وكانت القسمة كالآتي : "تونس لبريطانيا والمغرب للولايات المتّحدة والجزائر للأكثر إقداما منهما".
    هذا كان غداة الحرب العالميّة الثانية عندما أطلق المريشال البريطاني سموتس سنة 1943 جملته المتوجّة إلى الفرنسيّين :"لقد ماتت فرنسا نهائيّا". وها هي أحد النوادر المذكورة في مفكّرة للجنرال عمران البرلماني الجزائري السابق :" كولونيل فرنسي تولّى إعادة قاعدة إلى الأمريكان قائلا للكولونيل الأمريكي : لم يبق سوى نصب ثلاث ساريات مع ثلاث رايات فرنسيّة وأمريكيّة وشريفيّة. فاندهش من ردّ الكولونيل الأمريكي: لماذا ثلاث رايات؟ اثنتان تكفي، راية أمريكيّة وأخرى شريفيّة، بما أنّكم ستغادرون!"
    في مؤتمر برشلونة سنة 1952، كان ممثّلي فرنسا قد أعطوا كلّ الآمال للولايات المتحدة بالتنازل عن سيادتها عن شمال افريقيا في حالة الحرب فأخذوا قرارات في هذا المؤتمر منها :" الجنرال ريدواي الأمريكي يكون محاسب المراقبة والدفاع عن المناطق الدّاخليّة بما فيها شمال افريقيا الفرنسيّة" وهكذا أصبحت الولايات المتّحدة تتدخّل مباشرة في الخصومة التونسيّة أنذاك.
    كانت الفوضى قد إنتشرت في بلدان شمال إفريقيا وكانت تقام عمليّات عسكريّة ضدّ الاحتلال الفرنسي واصبح أصوات الحركات الوطنيّة مسموع في العالم وكان كلّ ذلك من صنع الأنجلو-سكسون لأجل إرضاء الأطماع الإقتصاديّة لديبلوماسيّي الأعمال.
    يقول المؤرّخ بيار فونتان في كتابه -الجزائر تونس الرباط-ص69-70 ما يلي:"لا يعتقد بسمارك في الاستيطان لأنّها بالنسبة له -وهي جزئيّا صحيحا- لا يمكن أن تكون إلاّ مصدرا للمتاعب ولتشتيت الجهود. اليوم، البلدان البيض الكبرى تملك مستوطنات أو حاميات مباشرة و غير مباشرة وأحيانا الإثنين معا. إنّ الصيغة الإستعماريّة الجديدة تتّجه نحو النّفاق المتميّز. البلد الأقوى يفرض حكومة محليّة يترك لها المتاعب والمساويء الدّاخليّة ويكتفي هو بإدارة الأمور الاقتصاديّة والسياسيّة الخارجيّة من وراء الستار (العراق والأردن مثلا بالنسبة لبريطانيا العظمى وليبيريا وباناما وكوبا مثلا بالنسبة للولايات المتّحدة و بلغاريا ورومانيا مثلا للإتحاد السوفياتي)" وفي موقع آخر من الكتاب نقرأ "شئنا أم أبينا، إنّ الإحتلال الإقتصادي يسبق دائما الإحتلال السّياسي مباشرة أو عبر عصابة" وهذا ينسجم مع كثير من حوادث التاريخ القديم والمعاصر، فدخول تونس عهد الحماية الفرنسيّة كان تحت وطأة ديون الخزينة التونسيّة وديون مبارك نحو أنجلترا جعل الأخيرة تعلن منطقة الخليج محميّة بريطانيّة وديون الباب العالي كانت سببا مباشرا في هيمنة القوى الغربيّة على القرار السيّاسي والاقتصادي للدولة العثمانيّة وكم تسبّبت تدخّلات صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي في فوضى سياسيّة واقتصاديّة وفي تدخلات دوليّة للقوى العظمى. ثمّ أنّ بسط الشركات الاحتكاريّة البتروليّة يدها على بترول البلدان المنتجة وصراعها فيما بينها على مواقع التنقيب وعلى منابع البترول وعلى إنتاجه ونقله وبيعه في الأسواق الدوليّة جعلها تتسبّب في قلاقل واظطرابات وانقلابات وثورات وحروب ممّا يعزّز فكرة أنّ الهيمنة الاقتصاديّة تنتج عنها بالضرورة هيمنة سياسيّة. ومصيبة البلاد الاسلاميّة أنّ الله حباها بموارد طبيعيّة وبثروات عدّة ومواقع استراتيجيّة وهذا ما جعلها مسرحا من الكثير من الحوادث ويستحيل عليها أن تكون ذات استقلال حقيقي من منظور قومي أو وطني لأنّ الوطنيّة كما القوميّة لم تكن سوى الإطار الفكري لصراع تناقض المصالح التي تلعبه القوى الغربيّة والذي يقضي على احتلال أو تبعيّة لفائدة احتلال أو تبعيّة أخرى.
    إنّ الحياة الاقتصاديّة لكلّ البلدان تكون تحت الاعتماد الكامل للنفط ومشتقاته، فبدون مازوط ليس هنا بواخر ومعامل وبدون بترول ليس هناك كهرباء وبدون بنزين ليس هناك جرّرات فلاحيّة وسيّارات وطائرات وهو وقود الآلات الحربيّة من دبّابات وغيرها كما يستعمل البترول في عدّة صناعات عدّة أخرى غذائيّة، صيدليّة، بلاستيكيّة ومنزليّة وحتّى الملابس والمواد التي تعوّض البترول باهضة التكلفة أو مردودها دون مردود البترول، فهو أحسن من الذّهب المعدن الثمين، فالذهب الأسود أي البترول يفرض حكمه المطلق المتصلّب على البلدان التي لا تملك منابع للبترول. وهذه الحاجّة الرّاسخة تجعل من الطبيعي أن تحاول الرأسماليّة الحديثة أن تضمن مراقبة حقول البترول لأجل الاحتكار الذي يجعلها أقوى من الجيوش وتكون لها سلطة أعتى من الحكومات. لأجل وصولها لغاياتها فإنّ هذه الرأسماليّة تتحوّل إلى شركات إحتكاريّة العديد منها تنجح في جعلها تُضمن وتُأَيَّد من حكّام فهموا في الوقت المناسب أهميّة مسألة البترول.
    إنّ تكهنات السّاسة والمحتلين الإحتكاريين الغربيين تتحقّق، تحت حجج ايديولوجيّة أو لأجل الأراضي، حجج أُريد لها أن تُلْهِب مخيّلة التجمّعات الغير مطّلعة والغير الواعية وهكذا تتفجّر حروب وتنبثق ثورات وهكذا يموت ويقتتل الرجّال ويضيّعون ثرواتهم لأجل مصالح وأطماع دول وشركات غربيّة التي لها الدور الرئيس في إشعال الفتن والصراعات في البلدان المستعمَرَة. فكلّ الحروب الأخيرة أي منذ بداية القرن الثامن عشر حتّى الآن لم يكن لها دور سوى دعم سيطرات اقتصاديّة ومن ثمّ سياسيّة، أنظروا للبرقيّة السلكيّة العجيبة التي أطلقها جورج كليمانسو للرئيس ولسون :"نقطة بترول تساوي نقطة دمّ" وتأملّوا في القائل :"فكّر بترول تستطيع أن تتنبّأ بالأحداث التي ستقع وتفهم الذي وقع !!!!". كلّ هذا يدلّ على قيمة هذه المادّة حتّى إذا وقعت بين أيدي رأسماليين شجعيين فإنّ عقليّتهم الرأسماليّة العفنة نزعت إلى المكائد والمؤامرات وتسبّبت في فوضى واضطرابات وحروب. فلا نتعجّب حينئذ من القول أنّ لا إستقلالات لشعوب تُنهب ثرواتها بل ما يحصل أنّ تلك الثروات تكون سببا في تأخّرها وفي تعاستها.
    وهكذا كانت ولا زالت البلاد الإسلاميّة محلّ أطماع القوى الغربيّة فالشركات البتروليّة الاحتكاريّة هي التي تحتكر حقول بترولنا وهناك تواجد عسكري دائم وقواعد عسكريّة تابعة للغرب مثل الظهران والكويت وقطر وغيرها ومثل التواجد الدّائم للأسطول الأمريكي في المتوسّط والخليج العربي والفارسي وغير ذلك من أشكال التواجد العسكري.
    فأيّ استقلال تتبجّح به دول العالم الاسلامي وأنظمتها لم تأتي للوجود طبيعيّا بل أتت بتخطيط غربي وتدين ببقاءها فقط للقوى الغربيّة التي أوجدتها وليس للشعوب أيّ دخل في سياساتها فهي مفروضة عليهم. وكذلك الحروب في أفغانستان والعراق وكشمير والسودان واليمن وغيرها، كلّها وراءها قوى غربيّة تشعلها وتؤجّجها وكلّها تخدم مخططّات أجنبيّة ولأيّ من التحقّق من ذلك !.
    والآن سوف نسلّط الأضواء على الحركات الوطنيّة في شمال إفريقيا وسنرى كيف أنّ مثلها مثل الحركات القوميّة في الشرق العربي كان قد خطّط لها من قِبَل قوى غربيّة بعثتها للوجود وأمدّتها بالأموال والسلاح وتولّت تدريب المقاومين وهذا طبعا ليس حبّا في أهالي المنطقة والعمل على تحريرهم من نير الاحتلال وليس بدافع انساني يرفض الاستعباد والاستغلال بل فقط لاستبدال سيّد بآخر. فتصفية المستعمرات الفرنسيّة في شمال افريقيا كان خطّة غربيّة ضد الحضور الفرنسي في المنطقة لتحلّ هي محلّه.
    كانت هناك مؤامرات ضدّ فرنسا، مؤامرات داخليّة وخارجيّة فقد كتب ريمون كارتي سنة 1952، وهو مراسل الباري ماتش في الولايات المتّحدة، قائل" لا يوجد هناك أيّ أمل أو حظّ في رؤية هجوم الأمم المتّحدة ضدّ الاتحاد الفرنسي تتباطأ أو تتوقّف. هذا الهجوم سوف يستمرّ بأشكاله المختلفة إلى الوقت الذي يختفي فيه آخر أثر للإمبراطورية" وهذا التنبّأ قد أصاب فيه هذا الصحفي، إذ أن منظمة الأمم المتّحدة موجودة في واشنطن مثلما كانت هيئة الأمم في لندن وهذا يعني أنّها ألية سياسيّة مخصوصة متخفّية بقرارات جماعيّة مناورة. كما كان لورنس يطلق الدّروز ضد التّواجد الفرنسي. والجنرال سبيرز يعطي دعم جيشه للقوميّين الثورتين لأجل طرد فرنسا. وهكذا انفصلت بالتّتابع : كوانغ تشيوروان، سوريا، الهند الصّينيّة، الهند، المغرب، تونس بدون أن نحسب فزّان والتّوغو. ثمّ الجزائر وإفريقيا السّوداء إلخ.
    حاولت بريطانيا العظمى أن تعود كلاعب أساسي في الساحة الدوليّة وحاولت تجنّب الطّريق المنحدر الذي فُرِض على فرنسا، انطلاقا من تفهّمها للمشكلة كانت بريطانيا العظمى تحاول الدّفاع عن نفسها بتطبيق سياسة التّوازن التّقليديّة، مرّة بالإسناد إلى واشنطن للحصول على تنازلات من موسكو، ومرّة بتسهيل مهمّة السّوفيات لأجل تقليل أطماع الولايات المتّحدة. ومن ناحية أخرى فإنها استغلت الوضع الدّاخلي الفرنسي لأجل محاولة افتكاك الأراضي الفرنسيّة لفائدتها وحدها.
    ويتحدّث المؤرّخ والباحث الفرنسي بيار فونتان في كتابه"الملف السرّي لشمال إفريقيا” ص68 عن وجود صراع أمريكي أنجليزي على المنطقة ويقول : "إنّ العمليّة الإنجلو-أمريكية للبترول والمشتعلة في الجنوب التونسي منذ سنة 1946حتى إنجازها في 1948 تتواصل عبر ليبيا ثم المغرب والجزائر ونحن الآن في الصحراء. وهذه التحركات العامّة لوحدها لندن وواشنطن بدأت فيها بمسيرة ضدّ السّاعة في شمال إفريقيا" ويتحدّث الكاتب مضيفا ص124-125 : "إن أدمغة المسلمين تبدأ في الالتهاب عندما يكون الأمريكان بوقاحة يبحثون من الخارج عن تنازلات بتروليّة جديدة. لقد أظهرت الشركات الانجليزية تحدّيا في الإتاوات الممنوحة للملوك العرب والذين يحكمون بلدانا أراضيها معطاءة. هذا بالإضافة إلى أنّها*لم تكن منتظمة في الحسابات(بسبب تأميمات مصدّق البترولية في إيران) . ولكنّ الأمريكان كانوا يعرضون الضعفين والثلاثة أضعاف أكثر من منافسيهم البريطانييّن وصعدوا حتّى %51 من الإِتَاوَات إضافة إلى امتيازات على الطّبيعة. وهكذا طردَ السّعوديّون الإنجليز ليحلّ مكانها الأمريكان"
    ولننتقل الآن للحديث عن الحركة الوطنيّة في شمال إفريقيا ومَنْ وراءها. لقد عاملت الصّحافة الأمريكيّة فرنسا بقسوة بسبب سياستها في تونس. في الوقت نفسه قال أحد الفرنسيّين " هل يجب علينا أن نقتنع أنّه فجأة استيقظت القوميّة التونسيّة هكذا مثل صوت فتح قارورة ماء معدني ؟ إذا لم يكن الأمريكان قد ميّزوا في بنزرت وجود مطار دولي ذو أهميّة أوّلية وإذا لم يكتشفوا أنّ بنزرت هي القاعدة المثاليّة لانطلاق الطّائرات التي تتّجه لضرب أوروبا الشرقية، ضمن المرجّح من أنّنا سننعم بهدوء أكبر في تونس"
    ومن جهة أخرى فإن لندن لم تتخلّى عن أملها في نحت امبراطوريّة أخرى هنديّة في إفريقيا الشماليّة. ولهذا الغرض وضعت يدها على طرابلس الإيطالية بدفع صديقها السنوسي نحو العرش. ولطرابلس حدود مشتركة مع تونس ولهذا يُفهم لماذا كان الحبيب بورقيبة، زعيم تونس مناهض لفرنسا. هو الذي كان قد حصل على شرف استقبال برلماني في انجلترا وكرم ميكروفون الـ ب ب.سي* لأجل قذف سمّه ضد فرنسا. وقد حرّكت بريطانيا أيضا موجة من الإظطرابات في تونس خلال شهري أكتوبر ونوفمبر*1952 لأجل إقناع منظمّة الأمم المتّحدة أنّ كلّ تونس تثور ضدّ فرنسا حتى تأخذ جذورها من الأحداث المذكورة... والوضع في المغرب كان مماثلا بشكل ملموس. والاختلاف الفرنكو-أمريكي والذي قطع بقرار محكمة لاهاي ( والتي لم تدن أحدا) كان المظهر الرّسمي.
    إن الحرب العالميّة الأخيرة سمحت للولايات المتّحدة باكتشاف امكانيّات المغرب وخاصّة في جنوب البلاد، حيث الصّحراء التي لا تمثّل شيئا كبيرا في ذلك الوقت ولكنّها يمكن أن تصبح كاليفورنيا جديدة بثرواتها المعدنيّة الجمّة وبالأخصّ البترول. وكذلك الجزائر كانت صراع أكثر حدّة وقسوة.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد يناير 20, 2019 11:20 pm